ads
menuالرئيسية

الانتحار القومي!

ads

بقلم د. هاني سري الدين
د. هاني سري الدين
استخدم الرئيس السيسي في أحد أحاديثه مؤخراً تعبير “الانتحار القومي”، وذلك في إشارة إلي انتشار حدة النقد لأداء الحكومة والمؤسسة الرئاسية في الإعلام وعلي مواقع التواصل الاجتماعي والتداول الإلكتروني، وكذلك انتشار ظاهرة جلد الذات وتضخيم الأخطاء وتسفيه الإنجازات. وأوضح الرئيس أن تعاظم تلك الظواهر يؤدي إلي فقدان الأمل في المستقبل ومتابعة الإنجازات علي أرض الواقع، وتفكيك الأمة. وقد أعزي الرئيس ذلك إلي وجود مؤامرة مدبرة تسعي لذلك وتعمل ليل نهار لتعزيز الانشقاق والاختلاف داخل مصر، والحد من التقدم والعمل علي انهيار مصر. واعتبر الرئيس ذلك الاستنزاف المعنوي لمصر يمثل الجيل الرابع من أنواع الحروب التي تساق ضد الأمم، فلم تعد الحروب ومحاولات الاحتلال عسكرية اقتصادية فقط بل تعدت ذلك إلي الحروب النفسية والإلكترونية.

ولاشك أن عمليات اصطياد الأخطاء وتضخيمها وتسفيه النجاحات أمر نشهده، ولا شك أيضاً أن هناك حالة من الإحباط تسود المزاج العام في مصر، وقدرا من التشاؤم حول غد أفضل، ويقيناً -في رأيي الشخصي -أن حالتي الإحباط العام والتشاؤم العام فيهما قدر من المبالغة لا يتناسب مع الواقع. ويقيني كذلك أن هناك كثيرا من المعلومات المغلوطة والمغرضة يتم تداولها علي مواقع التواصل الاجتماعي والتداول الإلكتروني، وأن كثيرا من هذه الأخبار يتم التعامل معها علي أنها أخبار مؤكدة ومعلومات صحيحة. ولا شك أن كثيرا من هذه المعلومات المغلوطة والأخبار غير الصحيحة تستهدف خلخلة الأفكار وإفقاد الثقة في المؤسسة الرئاسية وسلامة قراراتها ونزاهة المؤسسات الحكومية. ولا شك أيضاً أن هناك كتائب إخوانية وغير إخوانية تعزز هذا النوع من الحروب التي أسماها الرئيس الجيل الرابع أو الخامس من الحروب.ولا شك أيضاً أن هناك فوضي فيما يتم نقله وتداوله والتعامل معه علي أنه حقائق من قبل بعض المدونين، ويتم النقل عنهم في الصحف والبرامج التليفزيونية.

ليس لديّ اعتراض علي كل ما سبق، ولكن المؤكد أيضاً أن أجهزة الدولة -بما فيها مؤسسة الرئاسة -تساهم بشكل كبير غير مقصود في تكريس ظاهرة “الانتحار القومي”، وأنها ترتكب أخطاء جسيمة في إدارة الملف الإعلامي والتواصل مع الرأي العام داخلياً وخارجياً، ولا شك أن سوء إدارة هذا الملف يعطي فرصة ذهبية واحدة تلو الأخري للمتآمرين ومتصيدي الأخطاء -إن وجدوا، وفي يقيني أن 50% علي الأقل من الأخبار المغلوطة وغير الدقيقة أجهزة الدولة هي المسئولة عنها. ودعوني أضرب بعض الأمثلة لما أقول؛ قضية مقتل الطالب الإيطالي “ريجيني”، والتي تم استغلالها سياسياً في الداخل والخارج بشكل أضر بالمصالح الوطنية المصرية؛ لا شك أن أداء الأجهزة الحكومية في إدارة هذا الملف كان بالغ السوء، وتضمن أخطاء جسيمة وأساء لسمعة مصر بكل ما تعنيه الكلمة، وأساء لعلاقة مصر بإيطاليا… وهذه الأخطاء كانت صناعة مصرية حكومية 100%، وأعطت الدولة علي طبق من فضة الفرصة كاملة لكل من يريد استغلال هذا الملف. وقد كانت اللقطة الأولي حكومية حينما أعلن أحد المسئولين في اللحظة الأولي أن الحادث هو حادث سير مروري عادي!!! وتبين بعد ساعات قليلة أنها عملية قتل مصحوبة بتعذيب وحشي، فكان هذا التصريح المتسرع الأبله قرينة علي أن الحكومة المصرية تحاول أن تخفي شيئاً… وجاءت اللقطة الثانية حينما بدأ بعض الإعلاميين المحسوبين علي أجهزة الدولة في الترويج إلي أن الحادث مرتبط بشبهات علاقات شذوذ جنسي!! وبدأ بعد ذلك الترويج لفكرة وجود علاقات نسائية… وظهر في اللقطة الثالثة شاهد زور تمت استضافته في بعض البرامج الإعلامية أيضاً المحسوبة علي أجهزة الدولة!! وبعد أن تبين كذب هذه الادعاءات لم يعلن عما تم اتخاذه من إجراءات ضد هذا الشخص… وجاءت اللقطة الرابعة عن طريق الداخلية المصرية في حركة تراجيدية حينما أعلنت عن قتل أفراد عصابة، وأنها وجدت في منزل أحدهم كافة متعلقات “ريجيني” بما فيها نقوده بعد مقتله بأسابيع عدة… وكان بيان الداخلية مرتبكاً فأوحي في البداية بأن أفراد العصابة خمسة، وتبين أن أحد المقتولين برصاص الشرطة هو سائق ميكروباص لا علاقة له بأفراد العصابة، وبعد ذلك كان هناك تلميح بأن أفراد العصابة المقتولين هم المسئولون عن اختطاف وقتل “ريجيني” وبعد ذلك نفت الداخلية ذلك، وأعلنت الداخلية في بيانها أن “هذه العصابة متخصصة في سرقة وخطف الأجانب”!!. من هنا الذي يسيء إلي السياحة المصرية وينشر أخباراً سيئة عن الوضع الأمني؟ أعتقد أن بيان الداخلية “جه يكحلها عماها”، فأقرت بأن هناك عصابات في مصر متخصصة في خطف وقتل الأجانب في الوقت الذي يكرس كافة المصريين جهودهم لنقل صورة مشرقة عن مصر، وعن استتباب الوضع الأمني فيها… أيضاً تناولت الجهات الرسمية الحكومية قضية الشاب المصري المختفي في إيطاليا وكأنها رد فعل غاضب وليس إيماناً حقيقياً بأنها تبحث عن حقوق المصريين وتدعم مواطنيها. وأخيراً اتهام بعض البرلمانيين المصريين لأعضاء البرلمان الأوروبي بالعمالة وحصولهم علي رشاوي!! هذا العبث الحكومي والبرلماني فتح الباب علي مصراعيه للتشكيك والنيل من مصر، فالمؤامرة صنع محلي.

المثال الآخر، كان جزيرتي تيران وصنافير؛ لا شك أن إجراء المفاوضات بين الجانبين المصري والسعودي بشكل سري، واجتماع اللجان الوطنية المصرية أيضاً بشكل غير معلن عنه كان له مبرراته القوية من وجهة نظر المؤسسة الرئاسية، فكان هناك حرص علي عدم إضعاف العلاقة المصرية السعودية في هذا التوقيت وإثارة أزمات سياسية وتلاسن من خلال الوسائل الإعلامية، ولا شك أن المؤسسة الرئاسية ارتأت -وهذا تخميني وليس بناءً علي معلومات -أن السرية أفضل في معالجة هذا الموضوع، إذ إن الإعلان عنه مسبقاً في ظل الفوضي الإعلامية قد يسيء ويضعف أواصر الأمن القومي والعلاقات بين البلدين. أتفهم هذا… ولكن لا شك أن المؤسسات الحكومية لم تعالج الأمر، ولم تتواصل مع الإعلام والرأي العام الوطني بشكل جيد، لا قبل التوقيع علي المعاهدة الخاصة بترسيم الحدود ولا بعدها… ولا الشرح الحكومي لموقف مصر القانوني كان كافياً، فأنا شخصياً -وأقولها بمنتهي الموضوعية والحيادية -لم أقتنع بما جاء علي لسان المؤسسات الرسمية للدولة… ليس لأنني لا أصدقهم، ولا لأنني لديّ قناعات مختلفة، ولا لأنني لا أريد أن أقتنع بوجهة النظر الحكومية، ولا لأنني أريد التشكيك في كل ما هو حكومي، ولا لأنني أتعامل مع المسألة بشكل عاطفي، ولا لأنني غير قادر عقلياً علي فهم هذه الأمور القانونية والجغرافية والتاريخية والسياسية المتشابكة… ولكني لم أقتنع لسبب بسيط آخر هو أن ما تم عرضه من المؤسسات الرسمية كان مبتسراً وعاطفياً، وكان يعتمد علي لغة تخاطب فوقية تعتمد علي أن الحكومة تعرف أكثر، أو أن خبرتها فوق كل الشبهات، أو أن كل من يعترض فهو إما لا يفهم أو أنه يفتي أو أنه مغرض… لم تعرض الحكومة في مؤتمر تفصيلي خرائطها التي اعتمدت عليها، ولا الوثائق التاريخية الدامغة، ولا التسلسل التاريخي والقانوني ولم يكن هناك فريق فني يقف يشرح باستثناء د.مفيد شهاب، وكان حديثه أيضاً مختصراً وغير شافٍ. وكذلك فإن ظهور رئيس مجلس الوزراء وكأنه غير معني بالمسألة، والاكتفاء ببيان وحيد، والارتكان إلي مركز معلومات مجلس الوزراء في قضية سياسية بهذه الحساسية… كل هذا أضعف الموقف المصري الرسمي وترك الفرصة سانحة للتشكيك.

أدعو المؤسسة الرئاسية ورئيس الوزراء إلي دراسة ملف التواصل السياسي والإعلامي مع الرأي العام المصري، وكيفية التعامل السياسي مع القضايا الداخلية… نعم توجد مؤامرات إخوانية، ومعارضة داخلية، وفوضي إلكترونية، وتحرشات أجنبية ربما -لا أعلم – وسيوجد محاولات مستميتة لإضعاف المؤسسة الرئاسية… ولكن يجب أن نعترف – وهذه هي الخطوة الأولي في الإصلاح -أننا نرتكب أخطاء جسيمة وقاتلة من صنع أيدينا، فخطاب المؤسسة الحكومية السياسي ضعيف للغاية، وردود الفعل بطيئة، والأجهزة مفككة، ومن يتولون هذه الملفات السياسية والإعلامية الحساسة من غير المتخصصين، يجب معالجة هذه الأمور أولاً، فليس كل مشاكلنا بسبب التآمر علينا!!!

الحقوا أنفسكم قبل أن تتحول “مؤسسات الدولة العميقة” إلي “مؤسسات الدولة العبيطة”… نريدها مؤسسات وطنية ذكية احترافية.

ads

الخونة

تابعنا على الفيس بوك

hao123