ads
menuالرئيسية

محمد على إبراهيم يكتب : مصر بتاعتي ضاعت !

ads

الكاتب الصحفي محمد علي إبراهيم
لهيب الصيف يلفح الوجوه.. الطقس الحار جاء مبكرا جدا هذا العام.. ربما ليرينا الله قدرته التي نسيناها.. وينزع عنا غرور التكنولوجيا بكل أنواعها.. السابعة مساء في أحد أيام الأسبوع الماضي.. أسير وحفيدي الذي يقترب من الخمسة أعوام الهوينا.. الأطفال بطبعهم الفضولي يحبون التوقف أمام كل جديد على دنياهم الصغيرة.. فجأة سألني مين ده يا جدي؟ وجدته يشير بإصبعه الصغير إلى رجل في منتصف الستينات يحمل علي ظهره عجلة.. قلت له هذا الذي يسن السكاكين.. تدافعت أسئلته.. ولماذا يحمل كل هذه العجلة وأمي تسن السكاكين في المطبخ.. لم يمهلني لأجيبه ليعاجلني بسؤال آخر.. دا ناس كتير يا جدو جايين له.

أفهمته ان البسطاء لا يزالون يفضلون سن السكاكين علي حجر “الجلخ” القديم لانه يجعلها حادة ومعها المقصات وامواس الحلاقة التقليدية .. ظل يسأل لكن انا سرحت بعيدا واسترجعت طفولتي منذ ستين عاما .. كانت مصر كلها غير التي نراها الآن .. سكنا حي العباسية منذ ثلاثينات القرن الماضي .. جدي وابي وخالي .. عائلتا الوالد والوالدة وذريتهما مازال بعضهم معنا .. شريط سينمائي يمر امام عيني وانا طفل اركب بجوار والدتي في عربة الحريم بالترام ..

لم نكن نسمع عن التحرش والاغتصاب .. باختصار كان الناس مسالمين .. نادرا ما كنت اشاهد خناقة .. قلما ما تنشب مشاحنات .. الرضا والقناعه كانا يميزان المصريين ..

مازلت اتذكر الفسحة بالحنطور علي كورنيش قصر النيل .. لذا تجدني اشمئز من التوك توك .. كانت الخيول جميلة ومزينة وصاحبها يطلق عليها اسماء التدليل .. سكر وكرملة والاسمراني .. لم نشعر يوما بعقده المستورد فيما نأكل او نشرب .. طعامنا وملابسنا كلها مصرية .. قاطعنا شركه كوكاكولا الامريكية وشربنا سيكوافندي وفروت بارتي وسبيروسباتس .. لم نكن نحس ان هناك غنيا او فقيرا .. كلنا سواسية ..

أمام منزلنا كانت فيلا ياسين بك صاحب مصنع الزجاج .. كنا نشاهد كمال الطويل ومحمد الموجي ونجيب محفوظ بالشبشب والجلابية في صلاة الجمعة .. عبد الرحمن ابو زهرة اطال الله عمره كان يوزع علينا “ملبس وشيكولاته” .. آه يا زمن ..

لم افكر يوما ان اهاجر او اترك بلدي سعيا وراء رزق او تحسين مستوي المعيشة .. سافرت الخليج وعمري 35 عاما بعد ازدياد المسئوليات .. مدرس الفرنساوي مسيو رينيه كان يسكن الفجالة .. الجرسون ستافرو اليوناني بمقهي لونابارك بشارع الالفي .. الطباخ ايطالي في مطعم كريستال وسينما سان جيمس بشارع الجمهورية .. كل الجنسيات كانت تعمل عندنا .. حاولت السفر في اولي جامعة لفرنسا عام 1968 تقليدا لبعض زملائنا لاعمل في مزرعة عنب او فندق او مطعم ..

ذهبت لتغيير العملة من البنك الجنيه كان بـ 2 دولار و 4 قروش .. مصروفي الشهري بالجامعة 3 جنيهات اتغدي منهم .. يوم الخميس منحة ال 40 قرشا من المرحوم ابويا للسينما والمواصلات والعشاء من مطعم روي او الاكسليسور بشارع طلعت حرب ..

لبس العيد من شملا وصيدناوي والطرابيشي .. ما ارتديه كان مماثلا لما يلبسه ابن ياسين بك صاحب مصانع الزجاج الشهير .. لم نكن نعرف مولات وهايبر ماركت وتنزيلات .. عم علي البقال عنده كل شئ .. 5 قروش للحلاوة والجبنة والبسطرمة لعشائي انا وامي وابي ..

كان اول مرتب لي عام 1972 عشرين جنيها اقبضها 17.5 جنيه .. واقسم بالله لم اكن استطيع انفاقها كلها .. امي حتي وفاتها لم تعرف الدليفري .. سبت البلكونة يفي بالغرض .. الحارة المصرية كانت جميلة ونظيفة ومبهجة .. التسلية مص عيدان القصب صيفا واكل الذرة المشوية شتاء .. صيفنا شهرا في المعمورة عام 1969 بـ 20 جنيها .. لم تكن هناك مراسي ولا مارينا ولا الساحل الشمالي ..

المسلسل التلفزيوني الاشهر كان “القاهرة والناس” للراحل نور الشريف واشرف عبد الغفور وفاطمة مظهر والآخر “عادات وتقاليد” لعقيلة راتب وهدي ذكي وعبد الحفيظ التطاوي وصبري عبد العزيز رحمهم الله جميعا .. لم تكن هناك مسلسلات تركي او مشاهد الاغراء والتعري والشم والمخدرات والاغتصاب ..

السيدات كن لا يعرفن سوي كتاب ابلة نظيرة نقولا .. الآن 140 برنامجا للطهي علي الفضائيات وترسل ربة البيت لتطلب أكل من المطاعم لانها “مش فاضية” ..

لم نعرف في حياتنا لفظ اشمعني .. الكل كان راضيا .. ملابسنا صناعة محلية .. اغلي حذاء بـ 99 قرشا واقة اللحم ب 35 قرشا .. الغناء كان ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم .. والسينما فاتن ورشدي وعمر الشريف والمليجي وفريد شوقي .. والمسرح زكي طيمات ويوسف وهبي وسناء جميل وسيمحه ايوب .. آه يا بلد انتي فين ..

تذكرة السيرك القومي بـ 15 قرشا والمسرح بـ 30 قرشا ومجانا للطلبة .. لم نعرف تكييفات ولا ديب فريزر ولا مكيفات .. القلل القناوي صحية وطعمها لا يقاوم .. الاعلام 3 قنوات تليفزيون و 3 صحف .. لا فيس بوك ولا محمول ولا فضائيات ولا تويتر .. الاهم من كل هذا كنا سعداء بقروش قليلة .. الآن تعساء بالوف كثيرة ..

مصر بتاعتي ضاعت .. يمكن تاهت .. أو اتخطفت .. لكن المؤكد ان ناسها تركوها وليسوا هم اهلي وجيراني وصحابي الذين عشت معهم احلي سنين .. اعيش ايامي الباقية علي امل ان اشاهد ولو لمحة من مصر الجميلة قبل ان اغادر الدنيا .. يارب احفظ مصر من ابنائها .. وأهد حكامها .. وازرع الطمأنينة في نفوس الناس.

ads

الخونة

تابعنا على الفيس بوك

hao123