ads
menuالرئيسية

حتمية مقاومة «السوس»

ads

الكاتب الصحفي أحمد الجمال
بقلم : أحمد الجمال

بطريقة القدماء أقول: حدثنى من أثق فى صدق روايته ورجاحة عقله وسلامة مقصده وعمق غيرته على وطنه فأكد لى أن عمل الخارجية المصرية هو الآن بلا أى مضمون رسالي، ولا أهداف واضحة محددة المهام والمراحل الزمنية،
ويصدق ذلك على الدبلوماسيين وعلى الذين يعملون فى السفارات والبعثات من التابعين لجهات أخرى كالمخابرات والداخلية والتعليم والثقافة والتجارة والوعظ والإرشاد! وإذا كان ثمة استثناء فقد أشار محدثى إلى أنهم تلقوا ذات زمن قريب تكليفا محددا هو العمل الجاد لعودة مصر إلى الاتحاد الإفريقى واسترداد فاعليتها فيه.. وقد تم الأمر على خير وجه، لأن الهدف كان محددا والمهمة واضحة.

وفى الجلسة ذاتها حدثنى من قد يبالغ بدرجة أو أخرى مستندا إلى وقائع تبدو فردية، ولكنه يراها منهجا لدى كثيرين من الذين قدر لمصر أن يكونوا ممثليها فى الخارج، وكان مما ذكره أن سفيرا ظل طوال مدة خدمته خارج مصر يعمل فى أوروبا الغربية والولايات المتحدة ثم نقل إلى إفريقيا فنقم نقمة بلا حدود وترجم نقمته إلى سلوكيات بالغة الوضاعة، كان منها مثلا أنه يأمر بترك أجهزة التكييف مفتوحة ليل نهار فى أثناء أيام العطلات الأسبوعية كى يعود ويجد مكتبه باردا.. وأن آخر ربّى طيور البط فى حمام السباحة.. وأن ثالثا كان يتاجر فى سلالات الكلاب التى تقيم فى السفارة وتتناسل ويأتى من يريد من أهل البلد الأجنبى ومن غيرهم ليشترى السلالات الكلبية المتميزة!

وفى السياق ذاته.. سياق احتمال المبالغة أو التصيد، سمعت عن بنود اللوائح التى تمنع الاستئجار التمليكي.. بمعنى أنه قد تستأجر السفارة مبنى أو مكانا بمبلغ ما، وهو المبلغ نفسه الذى يمكن أن يتحول إلى أقساط لشراء المكان.. أو أن إيجار مبنى السفارة يتجاوز ثمن شراء مبنى أكثر اتساعا وحداثة وراحة لأنه ممنوع التمليك.. أو أن السفارة التى تحتاج لدهان «بياض» مبناها.. يعنى محتاجين إلى «نقاشين» تذهب بعثة من هيئة الأبنية بالوزارة لتعاين وتجرى مناقصة ويتقدم من يتقدم ليتم إقرار مقاولة النقاشة، ويكون المبلغ الذى سيدفع متجاوزا ثمن مبنى آخر جديدا تماما! ثم حدث ولا حرج عن موظفين إداريين – إناثا وذكورا – لا يتجاوز مؤهل بعضهم الدبلوم المتوسط ويكون من مهامهم التعامل مع علماء مصريين مرموقين وحدث عن مدرسين مبتعثين من الأزهر مثلا يدرسون لطلاب لا يعرفون سوى الفرنسية لغة للعلم والمدرس لا يعرف الفرنسية لكنها الواسطة أو الدور فى البعثة، وكيف أن بعض سفاراتنا فى إفريقيا شهدت شبه مظاهرات لطلاب من أهل البلاد يرفضون فيها المدرسين من هذه الشاكلة!

كان الحديث مع النموذجين اللذين تفضلا فتحدثا بغير حرج قد بدأ بمناقشة الحملة الوطنية للتبرع ضمن «صبح على مصر بجنيه»، وقلت إننى من الملتزمين غالب الوقت وليس كله بهذه الصباحية، وجاءنى الرد السريع بسؤال استنكاري: ولماذا لا يصبح المسئولون من البعثات الدبلوماسية بمعناها الواسع على مصر بجزء من ملايين الدولارات التى تنفق بغير هدف ولا تخطيط؟!

ومن تلك العبارة الاستفهامية الاستنكارية امتد الحوار على النحو الذى بدأته، وأثيرت قضايا أراها تحتمل النقاش الجاد ومنها ما سبق وبدأت به حول المضمون الرسالى للعمل فى كل المجالات خاصة مجال التمثيل الدبلوماسى لمصر فى الخارج، ومعه الأهداف والخطط التى ترسم للسياسة الخارجية حتى المستوى الميكروسكوبي، إذ لا يعقل ولا يقبل أن توجد سفارة كبيرة أو صغيرة أو حتى تمثيل ضئيل ومحدود دون أن يعرف من يعملون فيه ما هى مهمتهم تحديدا وما هى فلسفة السياسة الخارجية المصرية فى ذلك المكان من العالم، وصولا إلى فلسفتها العامة الشاملة فى هذه المرحلة من مراحل السياسة الدولية والأوضاع العالمية! وقد يقال إن الأهداف واضحة، وعلى رأسها أننا لا نتدخل فى شئون غيرنا ولا نريد زعامة ولا دورا يفوق طاقتنا، وهذا جيد إلا أن تعريف الأشياء بالنفى ليس تعريفا، بل ربما مؤكد فإن فلسفة السياسة الخارجية وأهدافها هى من مهام رئاسة الدولة وليس أى جهة أخرى!

إننى أعلم أنه من الصعب إعادة تأهيل من وصلوا لدرجة سفير بالخارجية، لكى يدركوا أن ثمة دورا رساليا لكل مسئول وصل إلى هذا المستوى ينعكس على تفكيره ومسلكه ومهامه الوظيفية.. ابتداء من أن يدرك حجم وعمق مسئولية تمثيل بلد بوزن مصر بحضارتها وثقافتها وتاريخها ودورها فى العالم، وليس انتهاء بتوفير كل «سحتوت» أو «جنيه» كى لا ينفق فى غير موضعه.

ثم إنه ليس حراما أن تناقش قضية عدد سفاراتنا وبعثاتنا وممثلياتنا فى الخارج وتحديد ما يمكن اختصاره أو توفيره لأن دولا كثيرة لا تعانى ما نعانيه من فقر فى الموارد – خاصة العملات الصعبة – عملت على تخفيض بعثاتها وسعت لتوفير الموارد، وتقوم سفارة واحدة بتمثيلها فى عدة دول متجاورة، وهذا السعى لا يتصادم أبدا مع ضرورة أن يكون لمصر وجود فاعل ومؤثر فى الساحة الخارجية حتى لا يملأ غيرنا مكاننا.

أكتب كل ما سبق من أرضية الانتماء الوطني، ومن موقف لا يتزحزح عن المساندة والدعم والإخلاص لمن يمثل ثورة 30 يونيو، وقبلها وبعدها الثوابت الوطنية التى لا تحتمل مساومة ولا تبديلا.

سنستمر «نصبح» على المحروسة، ليس بالفلوس فقط وإنما بالوعى والعمل وبذل الجهد وخوض معارك الإصلاح، والثبات فى الحرب ضد الإرهاب، ولن نصمت عن «السوس» الذى قد يكون مختفيا فيما هو ينخر قواعد الوطن بينما يكون الوطن مشغولا بتلك المعارك وهذه الحرب.

الأهرام

ads

الخونة

تابعنا على الفيس بوك

hao123