ads
menuالرئيسية

اللواء نصر سالم يكتب : صنافير وتيران وعدالة الميزان

ads

%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%b5%d8%b1-%d8%b3%d8%a7%d9%84%d9%85
بكل التواضع ومتجرداً من كل فخر، أستطيع أن أدعى أننى واحد ممن يستطيعون أن يعرفوا للأرض قدرها وقيمتها التكتيكية والحيوية والاستراتيجية ليس من باب الفخر والاعتزاز.. ولكن لأن هذا تخصصى الذى نشأت فيه وتعلمته وعلمته فيما بعد لسنوات طويلة.. وما درسته وأعدته على مدى عمرى الوظيفى من دراسات لمسارح الحرب ومسارح العمليات.. ليس من الناحية النظرية فقط، ولكنى خبرت كل شبر فى أرض وطنى الغالى مصر وأعلم قيمة كل موضع فيها وأهميته لأمن مصر الوطنى والقومى.

أقول قولى هذا.. مقدما لحديث ذى شجون، عن جزيرتى تيران وصنافير، اللتين عرفتهما وأعرفهما على الطبيعة.. بل وعشقتهما وتمنيت من كل قلبى أن تكونا مصريتين.

وليت كل متشدق باسمهما متاجر بهما، يعلم أن كل من قالوا «إنهما سعوديتان ليسوا أقل حباً لهما ومعرفة بقيمتهما، بل إنهم الأكثر رغبة وأمنية أن تكونا مصريتين»، ولكن..

هل يتحول الهوى- هوى النفس- إلى حق؟

إن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه علمنا أن «آفة الرأى الهوى»، فهل يتغير رأى المادحين والمهللين لحكم محكمة القضاء الإدارى الذى قضى ببطلان التوقيع على الاتفاقية: إذا حكمت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء الحكم السابق؟

هل سيستمرون فى امتداح عدالة الحكم أم سيغيرون رأيهم وينزعون عن قاضى الإدارية العليا إذا ألغى الحكم السابق- وطنيته ومصريته- ويقولون عنه عكس ما قالوه عن القاضى الذى أصدر الحكم الأول.

ليتهم يعلمون أنه لا القاضى الأول الذى أصدر الحكم ولا القاضى الثانى الذى سوف يعيد المحاكمة، سمع ولا يسمع ولن يسمع قولهم مدحاً أو ذماً، لأنهم أبناء مدرسة العدل التى تكلم عنها شهيد العدالة «هشام بركات» النائب العام السابق، كما روى عنه رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى، قوله: «إن أحداً لن يدخل معى القبر ويحاسب معى أو بدلاً منى».

إنهم قضاتنا الذين نباهى بهم الأمم.. وعدالتهم أحب إلينا من كل الأرض وما عليها.

وأقول للإخوة فى المملكة العربية السعودية، مهما حدث من تجاوزات سياسية أو غير سياسية فى حق مصر، فإن قضاءنا بخير.. وهم يعلمون قبل غيرهم قول المولى عز وجل «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون»، (المائدة ٨).

هم يعلمون قبل غيرهم قصة عمرو بن العاص، عندما فتح مصر، وأراد أن يبنى مسجداً للمسلمين.. وكانت المنطقة التى اختارها لبناء المسجد فيها صغيرة المساحة ولكنها تجاور أرضاً فضاء لسيدة مسيحية، فأرسل إليها طالباً شراء جزء من أرضها لإضافتها إلى أرض المسجد لتوسعته، ولكنها رفضت، فأخذ عمرو يكرر عليها الطلب وهى ترفض، فعرض عليها أن تبيع مساحة من الأرض قدر جلد بعير (أى لا يزيد مساحتها عن ٢*٢ متر) وبالثمن الذى تحدده هى، وبعد مساومات ومفاوضات طويلة وافقت السيدة على أن تبيعه قدر (جلد بعير) وحددت ثمناً غالياً لذلك، ارتضاه عمرو بن العاص وكتبا عقداً بذلك بينهما،.. وبعد أن وقعت السيدة على عقد البيع، قام عمرو بن العاص باستخدام ذكائه ودهائه، فأمسك بجلد البعير وقام بقصه إلى شرائط لا يزيد عرض الشريط عن عرض إصبع أو إصبعين وقام بربطهما ببعضهما بعضاً فصار جلد البعير حبلاً طويلاً يصل إلى عشرات الأمتار، ثم أمسك بالحبل ولفه حول أرض السيدة المسيحية فحازها كلها.. ثم نظر إليها وقال لها هذا ما تعاقدنا عليه.

هنالك أسقط فى يد السيدة وأخذت تسأل كل من تقع عيناها عليه.. ماذا أفعل؟

أليس هناك من هو أكبر من هذا الرجل فأشكوه إليه؟

فأخبرها البعض أن هناك فى المدينة بأرض الحجاز أميراً لهم يسمى عمر بن الخطاب لا يُظلم عنده أحد، فشدت الرحال إليه، وبعد شهر من المسير بركبها، وصلت إلى المدينة، وسألت عن الأمير عمر بن الخطاب، فأشاروا لها على رجل يقف وسط (معجنة) من الطين يعجنها بنفسه كى يرمم مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فذهبت إليه متأففة تكسو وجهها الدهشة، وقصت عليه قصتها، ففرك عمر يده من الطين بعدما سمع منها ما قصته عليه، وأمسك بقطعة صغيرة من الحجارة وحفر فيها بعض الكلمات باستخدام- قطعة مدببة صغيرة من الصخر- ثم أعطاها للسيدة المصرية وقال لها أعطِ هذه لعمرو، واستدار يكمل عمله فى ترميم المسجد.

انصرفت السيدة من أمام عمر وهى لا تكاد تصدق، وأخذت تقلب قطعة الحجارة فى يدها وهى تردد أمن أجل هذه قطعت كل تلك الرحلة وكابدت ما كابدت، ثم ألقت الحجر على الأرض واستكملت رحلة عودتها هى ومن معها إلى مصر، وهناك كان عمرو بن العاص قد علم برحيل السيدة المصرية إلى المدينة لتشكوه إلى عمر بن الخطاب، فأمر بترصد عودتها، وإحضارها إليه فور وصولها.

وما إن وصلت السيدة إلى مشارف (القاهرة) حتى رأت رجال عمرو بن العاص فى انتظارها، وكأن على رؤوسهم الطير وأخبروها أنه ينتظر وصولها بفارغ الصبر، فالتفتت إلى من معها وقالت ليتنى أحضرت له الحجر الذى أعطانيه عمر فقال أحد عبيدها الذين كانوا معها فى الرحلة «هذا هو الحجر الذى رميتيه من قبل، لقد التقطه واحتفظت به وقلت ربما تحتاجينه فيما بعد»، فأخذته السيدة منه، ولما دخلت على عمرو بن العاص، ألقت إليه بالحجر، وهى مندهشة من اهتمامه بعودتها بدرجة لا تقل عن يأسها من ردة فعله.

فأمسك عمروبن العاص بالحجر وقرأ ما كُتب عليه ثم بكى بكاءً شديداً، وقال لها اذهبى وخذى كامل أرضك واستبقى ما دفعته لك من ثمن لها، فلا حاجة لى به.

تعجبت السيدة المصرية، وقالت له، إن معرفة أمر هذا الحجر أحب إلىّ من عودة أرضى، ولن أغادرك حتى أعرف سره.

وفى كلمات قليلة قص عليها عمرو بن العاص ما كان من أمر المكتوب على الحجر، فقال: «كنا فى الجاهلية ونحن فى شبابنا عمر بن الخطاب وأنا، نتاجر فى الإبل والخيول، وفى إحدى رحلات تجارتنا، فى بلاد الفرس، اشترى منا ابن «كسرى فارس» بعضاً من الخيل والإبل بالآجل ووعدنا أنه سوف يحضر لنا ثمنها فى يوم محدد وفى مكان محدد، وفى الموعد ذهبنا إلى المكان وانتظرنا (ابن كسرى) ولكنه لم يحضر.. ولما فقدنا الأمل فى مجيئه، ذهبنا إلى أبيه كسرى فى قصره، وشكوناه له.. فأكرم وفادتنا ودفع إلينا أموالنا.. وعندما هممنا بالخروج من الباب الذى دخلنا منه، أشار إلينا أن نخرج من باب آخر، وعند خروجنا من هذا الباب وجدنا رأس (ابن كسرى) الذى لم يوف إلينا حقنا- مقطوعة ومعلقة على الباب.

سألت السيدة المصرية عمرو بن العاص:

– هل كل ذلك مكتوب على الحجر؟

– لا بل تذكرة لى فقط.

– ماذا كتب لك على الحجر؟

– كتب «نحن أحق بالعدل من كسرى يا عمرو».

انتهت قصة عمرو، وعمر، ولكن قصة الجزيرتين لم تنته، وأيا كان الحكم فنحن نثق فى عدالته طبقاً لما هو متوفر من وثائق ومستندات طبقاً للقانون المصرى المنبثق من دستورنا.

ولكن هناك سؤالاً:

ماذا لو لجأت المملكة العربية السعودية إلى محكمة تحكيم دولية؟

– هل نملك الوثائق والأسانيد القانونية التى تثبت حقنا طبقاً لقواعد القانون الدولى العام؟

إن العدل قيمة تعلو كل القيم، وهو أهم وأحب إلينا من كل أرضنا التى نضحى من أجلها بأوراحنا، وعندما يُنصب ميزان العدل فلا صوت بعده إلا صوت الرضا.

ads

الخونة

تابعنا على الفيس بوك

hao123