ads
menuالرئيسية

احمد سرور يكتب….ابن رشد و العقلانية

الأمم تتبادل الأفكار و الثقافات و تتعلم من بعضها البعض هكذا عرفنا من حكمة و عبرة التاريخ ، فالحضارة اليونانية أخذت عن الفينيقيين الأبجدية و عن الفراعنة الهندسة و أخذ الرومان من اليونان حضارتهم ثم عرفها العرب و طوروها حتي وصلت إلي أوروبا فى العصر الحديث و العصر الحديث يبدأ تاريخيا عام 1453 م بدخول محمد الفاتح القسطنطينية و ينتهي عام 1789 م بالثورة الفرنسية .

و للحكام المستنيرين دورا لا ينساه التاريخ فى تحويل مجري الفكر و الثقافة ، فهناك حكام يجود بهم الزمان ، هؤلاء الحكام يبنون صروحا من الفكر و العلم ،فالفكر و الثقافة هما اللذان يبنيان الإنسان الصالح ذو العقلية الواعية النقدية المستنيرة .

و قد ظهر فى المشرق العربي الخليفة المأمون ابن هارون الرشيد 170 ه – 218 ه و قد عمل المأمون على ترجمة علوم القدماء و خاصة العلوم التي تركها اليونانيون و قد كان المأمون يكافئ من يترجم كتاب إلي العربية بوزنه ذهب و قد كان لترجمة كتب العلم اليوناني أكبر الأثر فى ظهور الحسن ابن الهيثم و ابن سينا و الفارابي و الغزالي فى المشرق العربي .

أما فى المغرب العربي و فى بلاد الأندلس (اسبانيا و البرتغال حاليا ) فجاد الزمان بخليفة من المثقفين هو الحكم المستنصر302-366 ه  ابن عبد الرحمن الناصر و كان الحكم محبا للكتب قارئا لها معلقا بخطه فى الكتب التي كان يقرأها و كان يرسل رجاله إلي المشرق لشراء الكتب الجديدة و الغير موجودة فى بلاد الأندلس و فى عهده قلت الأمية و أصبحت بلاد الأندلس الأكثر تعليما فى العالم كما تباهي الناس بإقامة المكتبات فى بيوتهم حتى لو كانت توضع للزينة و قد  كان ما شاده الحكم من صروح فكرية سببا لظهور مجموعة من العلماء و المفكرين فى الأندلس مثل ابن حزم و ابن باجة و ابن طفيل و ابن رشد .

لقد فعل مثل هذا محمد على باشا فى مصر فطبع كتب التراث و ترجم العلوم الغربية إلي العربية و أرسل البعثات العلمية و كان ما قام به محمد على سببا لظهور كوكبة من المفكرين مثل رفاعة رافع الطهطاوى و محمد عبده و طه حسين و غيرهم الكثير .

لكن نريد أن نعرج على الفيلسوف و الطبيب و القاضى و الفقيه الكبير أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد  فهو نتاج حركة فكرية كبيرة فى الأندلس و صل هو فيها إلي القمة كما أن ابن رشد كان له أبلغ الأثر فى النهضة الأوربية الحديثة فترجمت كتبه إلي العبرية و اللاتينية و صارت كتبه عماد الفكر فى عصر النهضة فى أوروبا ، كما أن فكره مازلنا نحتاجه فى الوطن العربي فهو من نادي بالعقلانية و نحن نفتقدها الآن و نحاول أن نتحسسها فى كتبه و فكر ه .

ولد ابن رشد عام 520 ه 1126 م و توفي عام 548ه 1153 م تعلم الفقه من أبيه على المذهب المالكي و درس علم الكلام و الطب و قيل عنه أنه لم يتوقف عن القراءة سوي ليلتين ليلة زواجه و ليلة وفاة والده .

و تولي ابن رشد منصب قاضي القضاة فى زمن دولة الموحدين التي كانت تحكم المغرب و الأندلس و لعل منصب القاضي هو الذي جعل لابن رشد هذا الحس النقدي فى كتاباته .

لقد دخل ابن رشد تاريخ الفلسفة العالمي من الباب الكبير و ذلك بسبب شروحه لكتب أرسطو فقد طلب الخليفة أبي يعقوب يوسف و كان يحب الفلسفة من الفيلسوف ابن طفيل أن يشرح كتب أرسطو حتي يفهمها ففيها صعوبات لكن ابن طفيل كان مشغولا كما أن سنه كان قد كبر فطلب من ابن رشد هذه المهمة و كان ابن رشد تلميذا لابن طفيل فوافق ابن رشد و شرع فى شرح كتب أرسطو على ثلاث مستويات شرح مطول و شرح متوسط و تلخيصات و قد ترجمت هذه الكتب إلي الاتينية و أصبحت تدرس فى أوروبا و خاصة إيطاليا و فرنسا لثلاث قرون متصلة .

و السبب فى هذا أن فلسفة أرسطو و المشائين من تلامذته عبر العصور هى أهم فلسفة فى تاريخ الفكر و لايمكن فهم الفلسفة فى كل العصور حتي يومنا بدون دراسة فلسفة أرسطو و كان ابن رشد أفضل من فهم و شرح فلسفة أرسطو و فاق القدماء و المعاصرين فى شرحه حتى عرف فى أوروبا بالشارح .

و كان ابن رشد يمتلك حسا نقديا عاليا ظهر فى شروحه لأرسطو كما ظهر جليا فى كتابه تهافت التهافت الذى رد فيه على أبو حامد الغزالي الذى صنف كتاب تهافت الفلاسفة و قد نقد ابن رشد الغزالي و ابن سينا و الفارابي  و علماء الكلام ، و دائما فى تاريخ الفكر الفلسفي يتبوأ على عرشه الفلاسفة ذوي الحس النقدي العالي كأرسطو و ابن رشد و عمانويل كانط .

و قد عرف ابن رشد الفلسفة بقوله (إن الحكمة هى النظر فى الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان ) ففتح الباب واسعا للفلاسفة فى الغرب لتأمل الطبيعة و الوصول إلي قوانينها فظهر علم الطبيعة (الفيزياء ) و تقدم الغرب و ظهرت المكتشفات الحديثة و العلوم العصرية .

و يقول ابن رشد فى كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال (الفلسفة هي النظر فى الموجودات ، و اعتبارها من جهة دلالتها على الصانع ، و كلما كانت المعرفة بصنعة الموجودات أتم ، كانت المعرفة بالصانع أتم و لما كان الشرع قد أوجب اعتبار الموجودات ، و النظر فيها بالعقل ، و حث على ذلك بآيات كثيرة فى القرآن …. و يقول و اعلم أن من خصه الله تعالي بهذا العلم و شرفه ابراهيم عليه السلام فقال تعالي(وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) و لما كان الاعتبار هو استنباط المجهول من المعلوم و هو القياس ، فإن من الواجب على من يريد معرفة الله و موجوداته معرفة برهانية بالعقل أن يعرف آلة النظر ، و هو المنطق بأقسامه )

إننا فى هذا الزمان لا نحتاج لآراء ابن رشد فآراءه بنت زمانه نريد منه طريقة التفكير السليم و النقد البناء الذي يعلمنا الحكمة و نريد أن نقف على مشكلات زماننا و نحلها بطرقة عقلانية .

إن استقلال العقل هو الثمرة اليانعة من دراسة فلسفة ابن رشد هذا ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي إرنيست رينان فى كتابه ابن رشد و الرشدية هذا الكتاب الذي يعد المرجع الأول لكل دارسي ابن رشد و قد طبعه هذا الكتاب  عام 1852 م و ترجمه إلي العربية عادل زعيتر رحمه الله .

نحتاج فى مصر ووطننا العربي أن ننفتح على الآخر غير تاركين لثوابتنا و نحتاج إلي أعلاء العقل و تكريمه حتي نتقدم و نلحق بركب الحضارة

بقلم أحمد سرور

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123