ads
menuالرئيسية

شاب عراقي يحول بقايا «داعش» إلى تحف فنية

في أرض دجلة والفرات، وبالتحديد في الموصل، مدينة الأنبياء، التي عانت كثيرًا تحت سيطرة مرتزقة تنظيم داعش الإرهابي، خاصة أن “دولة الخرافة” كانت قد اعتبرتها عاصمة لها، ثمة ركام وأنقاض حرب وبقايا هدم ودمار منتشر في كثير من الأرجاء، مبانٍ منهارة وآثار تدمير أضاعت كثيرًا من ملامح المدينة التي فقدت بريقها بالرغم من نجاح عملية تحريرها من قبل القوات العراقية وانشقاع ظلام داعش عنها.

ووسط حال المدينة هذا الذي يحتاج إلى سنوات طوال لإعادته إلى طبيعته الأولى، توجد محاولات فردية من شباب الموصل لإعادة إعمار مدينتهم التي عاشوا عمرهم بين طرقاتها وشوارعها، محاولات لإعادة طلتها البهية كما كانت، وإضافة لمسات جمالية إلى مدينتهم التي عاشت تحت قبضة القبح لسنوات، ومن بين هؤلاء الشباب المبدعين العاشقين لوطنهم، أشرف محمد السراج، الطالب بكلية الفنون الجميلة، جامعة الموصل، والذي حول بعض مخلفات وبقايا أنقاض الحرب في مدينته إلى تحفة فنية، خلق من رحم القبح جمالًا ينير إحدى جنبات الموصل.

التحفة الفنية التي أنتجها أشرف، ذو الـ 24 عامًا، هي تمثال من الركام، أطلق عليه اسم “إسماعيل”، تيمنًا بالفنان المصمم الراحل إسماعيل حمو، المدرس في معهد الفنون الجميلة ببلدته، والذي توفى في معارك داعش، ونوع الفن الذي ينتمي إليه هذا التمثال هو “النحت التجميعي” أو فن إعادة تدوير المعادن، ويُصنف هذا النوع من الفنون بالحداثة الفنية ويقول عنه أشرف “هو جديد على الموصل وعلى البلد تقريبًا”.

يشير العمل الفني هذا إلى شخصية “المهندس”، كما يرمز التمثال أيضًا إلى العلم، وذلك من خلال رمز الكتاب المنير والحقيبة، وعن سبب اختياره لشخصية المهندس لتكون هي رمز تمثاله يقول أشرف: “السبب إن هذه الشخصية تدخل بكل تفاصيل حياتنا اليومية ولها دور فعال في حياتنا ونحتاج إليها ولا يمكن الاستغناء عنها أو عن ما تقدمه لنا”.

وعن دوافعه لتقديم هذا العمل الفني يحكى أشرف: “اللي خلاني أستغل بقايا الدمار لتحويله إلى قطع فنية هو إن عشرات الأطنان تخرج بشكل يومي من ركام وأنقاض الحرب في مناطق مدينة الموصل وشوارعها ومن بناها التحتية، لذلك فكرت أن نحيي من هذا الركام عمل فني”.

قام أشرف بتجميع هذا التمثال من الخردة بنسبة 95% وهو الأمر الذي يعتبره “إنجازًا”، وذلك لأنه كما يؤكد لا توجد أي استفادة من الخردة في العراق، فهي إما تُباع كحديد يُعاد تدويره خارج البلاد، أو تذهب لمكتب النفايات: “لا توجد لدينا مصانع تدوير المعادن ونحن نعتبر الخردة لا شيء وعندما نصنع من اللاشيء شيئا يكون هذا إنجاز”.

أما عن مكونات التمثال “إسماعيل”، فقد استخدم أشرف فيه الحديد بنسبة 95%، بالإضافة إلى استخدامه البلاستيك والعجلات المتفحمة، وبضع قطع من أجهزة الكومبيوتر، وعن نسب التمثال وأبعاده، فيؤكد أن طوله يبلغ 250 سم، أما عرضه من الكتف فيبلغ قرابة 105 سم، ووزنه يبلغ أكثر من 350 كجم.

“كنت بدخل ساحات تجميع الخردة والحديد وفي داخلها مئات الأطنان، وأنا أبحث عن كل ما أراه يصح للعمل”، يحكي أشرف الذي لم تكن لديه وهو يجمع أدواته أي فكرة أو تصميم مسبق للعمل وهذه هي السمة الأساسية في النحت التجميعي، واستغرق نحو 15 يومًا لإتمام العمل على تمثاله “إسماعيل” وإنجازه، وهو وقت قصير جدًّا لكن ما دفعه للعمل بصورة سريعة هو رغبته في المشاركة في مهرجان السلام الذي أقيم منذ شهرين بالموصل، والذي عُرض فيه العمل للمرة الأولى، وكانت أبرز الصعاب التي واجهته بالإضافة إلى ضيق الوقت، قلة خبرته في المعادن والحدادة، مما جعله يستعين بحداد لإتمام المهمة بنجاح.

ما قام به أشرف مبادرة فردية بحتة، ولكن بدعم من منظمي مهرجان “السلام”، وما شجعه أن هذا التمثال سيهديه للمدينة وهي بحاجة إلى ذلك من وجهة نظره، فهذا الشاب العراقي يؤمن أن مدينته بحاجة إلى مثل هذه الأعمال الفنية والمبادرات الإيجابية ومزيد من الجهود وعمليات الإعمار لإعادتها إلى بهائها ورونقها، لذا لم يتردد في القيام بهذه المبادرة الإيجابية في المجال الذي يعشقه وهو “الفن”.

بعد إنجازه وعرضه أهدى أشرف تمثاله إلى مدينته المحببة الموصل، وتم وضعه في منطقة “الجسر العتيق”، الجسر الحديدي الذي يُعد أول وأقدم جسر في مدينته، والذي تقع خلفه “الموصل القديمة”، أقدم مناطق المدينة والتي كانت على موعد مع كارثة كبرى في أثناء عمليات تحريرها من قبضة وسيطرة تنظيم داعش الإرهابي الظلامي.

رسائل عدة أراد أشرف إيصالها من تمثاله، على رأسها تقديم صورة إيجابية عن الموصل، مدينته الحبيبة، والتأكيد للعالم أنها مدينة متجددة، قد تمرض ولكنها لا تموت، ولكي يُشجع الشباب على العمل وعدم التوقف، وخلق شيء من لا شيء، ولكى يُثبت للعالم أن الطاقات الشبابية هي التي تمتلك زمام الأمور إذا حظيت بفرصتها.

“أكيد راح أكمل وعندي كتير خطط من ضمنها إني أنظم معرض شخصي جار العمل عليه، وأتمنى أن يتم تقييم أعمالي بالمستوى المطلوب وحسب ما تستحقه وأن أصل إلى مراحل الاحتراف فيها وألا أتوقف عنها، وأن أتزوج حبيبتي ونعيش في بيت صغير آمن”، كانت هذه أمنيات أشرف الشخصية، أما عن أمنياته لبلاده، فهي كثيرة، فوطنه كما يصف حاله “تعب كتير”، ويتمنى له أن يتغير حاله ويعود لمجده وبريقه ولأيامه الأولى كما كان قبل أن تعبث به أيدي المخربين كارهي الحياة والجمال.

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123